في بقعةٍ هادئةٍ تشبه تلك المرتفعات الخضراء التي تلتف حولها الطبيعة بصمتٍ مهيب، كان يجلس "إياد" و"يارا" على عشبٍ نديّ، يتأملان الأفق الممتد أمامهما حيث تلتقي قمم الجبال بالسحاب. كان الصمت بينهما طويلاً، لكنه لم يكن صمتاً ثقيلاً، بل كان من ذلك النوع الذي يسبق العواصف العاطفية الدافئة.
التفتت يارا تداعب خصلات شعرها التي حركتها النسمات العليلة، ونظرت إلى إياد الذي بدا مستغرقاً في تفكيرٍ عميق. قطعت الصمت قائلة بنبرة عتبٍ رقيق:
— "إياد.. أحياناً أشعر أنك تبخل عليّ بالقصائد الطويلة والمشاعر المنسابة، أراك صامتاً في حضرة الشوق، بينما أحتاج سماع الكثير."
ابتسم إياد هادئاً، والتقط نفساً عميقاً من هواء الجبل النقي، ثم التفت إليها بكامل جسده، ونظر في عينيها مباشرة وقال:
— "يارا، هل تعتقدين حقاً أن الحب يُقاس بطول الخطب ورنين الكلمات المتكلفة؟ إن أعظم المشاعر في الكون لا تحتاج إلى مجلدات لتُثبت وجودها. ألم تلاحظي يوماً أن كلماتٍ بسيطة جداً.. يكون أثرها في القلب كبيراً وعميقاً، بل وأبقى من ألف قصيدة؟"
صمتت يارا قليلاً، وكأنها تستدير بذاكرتها إلى الخلف، فتابعت قائلة:
— "ربما.. ولكن كيف لكلمة عابرة أن تسد جوع الروح إلى الأمان؟"
اقترب إياد منها خطوة، وأمسك بطرف يدها بلطف وتابع بلهجة تملأها السكينة:
— "تذكري ذلك اليوم الذي كنتِ فيه غارقة في توترك وقلقك قبيل امتحانك المصيري، لم ألقِ عليكِ خطبة عصماء، كل ما فعلته أنني نظرتُ إليكِ وقلت: 'أنا معكِ'. كلمتان فقط! لكنهما غيرتا ملامح وجهكِ، وأعادتا النبض إلى ثقتكِ. وتذكري حين أعود متعباً من عناء يومٍ شاق، وتستقبلينني عند الباب بابتسامة وكلمة: 'حمدًا لله على سلامتك'.. هذه العبارة البسيطة المكونة من بضعة أحرف، كفيلة بأن تزيح عن كاهلي ثقل جبالٍ من التعب."
تأثرت يارا بحديثه، ولمعت عيناها ببريق دافئ، فاسترسل إياد يوضح فكرته:
— "الحب الصادق يا يارا لا يحتاج إلى زخرفة لفظية. كلمة 'أحبكِ' عندما تخرج في وقتها المناسب بصوتٍ خافت صادق، تفعل في القلب ما لا تفعله المعلقات. كلمة 'شكراً' على تفصيلة صغيرة فعلتِها لأجلي، أو سؤالكِ البسيط 'كيف كان يومك؟'.. كلها مفاتيح صغيرة تفتح أبواباً مغلقة في الروح. الكلمات البسيطة تشبه البذور الصغيرة؛ قد لا تلفت الانتباه حين نلقيها، لكنها مع الوقت تنبت جذوراً تضرب في عمق الأرض، وتصبح أشجاراً تظللنا."
أطرقت يارا برأسها، مسحت دمعة فرح صغيرة فرّت من عينيها، ثم نظرت إليه بابتسامة مشرقة وقالت:
— "حقاً.. لقد أصبتَ كبد الحقيقة. لقد علمتني الآن أن أستمع بقلبي لا بأذني فقط. الكلمات ليست بحجمها ولا بعدد أحرفها، بل بصدق المنبع الذي خرجت منه وبالمساحة التي تحتلها في أرواحنا."
وضعت يارا يدها فوق يده، ونظرت إلى الأفق مجدداً وهي تشعر بأن الجبال المحيطة بهما أصبحت أكثر دفئاً، ورددت بهمس:
— "شكراً لأنك هنا."
ابتسم إياد وقال: "أرأيتِ؟ هذه الكلمة البسيطة منكِ الآن، جعلتني أشعر أنني أملك العالم كله."


