تُمثلُ القيمةُ الإنسانيةُ إحدى أكثر القضايا التي شغلَت الفكر البشري عبر العصور؛ فبينما يندفعُ الكثيرون نحو جمع الثروات، والمنافسة على اعتلاء المناصب، ونيل الألقاب براقة الشكليّات، يأتي البيت الشهير للشاعر الدكتور عبد الرحمن العشماوي ليُلخص الحقيقة العميقة بكلمات معدودات:
مَا قِيمَةُ النَّاسِ إلَّا فِي مَبَادِئِهِم
لَا المَالُ يَبْقَى وَلَا الأَلْقَابُ وَالرُّتَبُ..
زيف المظاهر وسرعة الزوال
تُمثّل الأموالُ والمناصبُ زينة الحاضر ومُتَع الحياة الدنيا، إلا أنها تُشبه الثلج تحت أشعة الشمس؛ مهما كَبُر حجمه فإن مصيره الذوبان.
زوال الثروة: كم من غنيٍّ افتقر في غمضة عين، وكم من ثروةٍ تبددت بفعل الزمان والمصائب.
تلاشي الرُّتب: المناصبُ عاريةٌ مُستردة؛ ينتهي بريقها بمجرد الترجل عن الكرسي أو انقضاء الأجل، فلا يُذكر صاحبها إلا بما قدّمه من أثرٍ وموقِف.
إن الاعتماد على المال والألقاب لبناء القيمة الذاتية كمن يبني قصرًا على الرمال، ينهار مع أول هبّة رياحٍ تتحدّى الوجود.
المبادئ: جوهر الإنسان الثابت
المبادئُ هي البوصلة الأخلاقية التي تُحدد جوهر المرء ومعدنه الحقيقي؛ إنها القيم الصارمة من:
1. الصدق والنزاهة.
2. العدل والوفاء بالعهد.
3. الثبات على الحق مهما بلغت التضحيات.
تستمد المبادئ قوّتها من كونها نابعةً من الداخل، لا تُسلبُ بسلبِ مالٍ ولا تزولُ بزوالِ مَنصب. هي العُمدة التي تُكسب صاحبها الاحترام والمَهابة الحقيقية في قلوب الآخرين، سواء كان يرتدي خَشِن الثياب أو يملك أثمنها.
الأثر الباقي في ذاكرة التاريخ
لو تأملنا صفحات التاريخ البشري، لوجدنا أن السِيَر التي خُلّدت بأحرف من نور لم تكن لأصحاب الأموال الكثيرة أو الألقاب الجوفاء، بل لأولئك الذين وقفوا بشجاعة دفاعًا عن قيمهم ومبادئهم. فالناس قد ينسون كم جمع فلانٌ من الثروة، لكنهم لا ينسون أبداً موقفه حين طُلِبَ منه النطق بالحق، أو أمانته حين أُتيحت له فرصة الخيانة.
في نهاية المطاف، ليست المبادئ مجرد شعاراتٍ تُقال أو أبيات شعرٍ تُردد، بل هي أسلوب حياة وخيارات يمارسها الإنسان يوميًا. فالمالُ يفنى، والألقاب تُنسى، والرُّتبُ تتبدل، ولا يبقى للشيء قيمةٌ تثبت أمام اختبار الزمن سوى مبادئ المرء وأخلاقه.



ما شاء الله مقال جميل جداً يتميز بسلوب راقي جميل 💗