فلسفة التمني بين السعي والقدر
إن صياغة السؤال بعبارة "ولو مرةً" تعكس حجم المشقة الإنسانية؛ فالإنسان لا يطلب امتلاك كل شيء، بل يتوق لانتصار واحد حاسم يرمم به انكساراته. ولتفكيك هذا التساؤل، نجد أنفسنا أمام جدلية دائمية بين ثلاثة أبعاد:
وهم التمني المطلق: يميل البشر بطبيعتهم إلى الرغبة في نيل كل ما تهواه أنفسهم، لكن الحياة لا تسير وفق أهوائنا. وكما قال المتنبي قديماً: مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ... تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لَا تَشْتَهِي السُّفُنُ.
حتمية السعي والمغالبة: في المقابل، لا يمكن للعبد أن ينال مراده بالانتظار السلبي. فالأمنيات لا تُمنح هبةً، بل تُنتزع انتزاعاً بالجهد والصبر. الاستسلام لفكيرة "القدر يعاكسني" دون بذل الأسباب هو هروب من مواجهة الواقع.
الحكمة الخفية وراء المنع: كثيراً ما يستميت المرء في طلب غاية يراها قمة سعادته، ليتبين له لاحقاً أن حرمانه منها كان نجاة، أو بوابّة لنيل ما هو أفضل وأجمل.
كيف ينال المرء ما يريد؟
لكي تتحول هذه "المرة" المرجوّة من مجرد تساؤل حائر إلى واقع ملموس، يجب أن يتصالح الإنسان مع معطيات رحلته:
1. إعادة تعريف "المراد"
أحياناً، يكمن الخطأ في أننا نطلب أشياء لا تناسب وعينا أو قدراتنا الحالية، أو نطارد سراباً رسمه لنا المجتمع. عندما يتناغم ما نريده مع جوهرنا الحقيقي وشغفنا الصادق، تزداد فرص تحقيقه بشكل ملحوظ.
2. الإيمان بـ "التوقيت المناسب"
الاستعجال هو عدو التحقق. قد يتأخر نيل المراد ليس لامتناعه، بل لأن الثمرة لم تنضج بعد، أو لأن الإنسان نفسه لم يكتسب الصقل النفسي والفكري اللازم لاستيعاب هذا النجاح والحفاظ عليه.
3. تقبل المرونة والبدائل
إن إصرار الإنسان على مسار واحد محدد قد يعميه عن أبواب مواربة ومسارات بديلة قد تفوق أمنياته الأصيلة روعةً. نيل المراد قد لا يأتي بالشكل الذي تخيلناه، بل بالجوهر الذي نحتاجه.
القول
نعم، سينال المرء ما يريد، بل وقد ينال أفضل مما أراد، شريطة ألّا ينطفئ بريق الأمل في قلبه، وألّا يتوقف عن المحاولة.
الحياة ليست معركة خسارة مطلقة، بل هي سلسلة من التعثرات والنهوض. إن تلك "المرة الوحيدة" التي نبحث عنها ليست مستحيلة؛ إنها تقف دائماً خلف الباب الذي يليه، خلف المحاولة القادمة، وخلف الصبر الجميل الذي يثق بأن القادم محمل بالبشائر.



ابداااع وربي ابداع ماشاءالله فلسفه منطقيه وعميقه وجميله جدا👏🏻