في عالم الكتابة، لا تعود الكلمات مجرد رموز جافة على الورق، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى كائنات حية، تنبض بالمشاعر، وتمتد كأيدي خفية لتحقق وصلاً عجزت عنه المسافات. عبارة "كُل نصوصي تُحاول لَمْسك" تختزل فلسفة عميقة في أدب الوجد والشوق؛ إنها اعتراف صريح بأن الحبر ليس إلا امتداداً للجسد والروح، وأن الكتابة في جوهرها محاولة يائسة وشجاعة في آنٍ واحد لكسر العزلة والوصول إلى الآخر.
الكتابة كبديل للمس الجسدي
عندما تحول بيننا وبين من نحب جدران الواقع، سواء كانت مسافات جغرافية، أو فراقاً فرضته الظروف، أو حتى غياباً أبدياً، يصبح الحرف هو الجسر الوحيد المتبقي.
الحرف كأداة حسية: الكاتب هنا لا يكتب ليُقرأ أو ليُعجب الناس بأسلوبه، بل يكتب ليمسّ. تصبح الكلمات بديلة عن حاسة اللمس؛ الضمة والكسرة والفتحة تتحول إلى تنهدات، والعبارات الطويلة تصبح عناقاً ممتداً.
البحث عن الأثر: تحاول النصوص أن تلمس يد المحبوب، أو تمسح على قلبه، أو تترك أثراً على دافق وجدانه، وكأنها أصابع غير مرئية تداعب روحه عن بعد.
مجازية المحاولة.. ولذة العجز
تكمن الشاعرية في هذه العبارة في كلمة "تُحاول". والمحاولة هنا تحمل في طياتها بعدين:
1. الرجاء والأمل: الإصرار على مواصلة الكتابة رغبةً في إبقاء حبل الوصال ممدوداً، وألا يطوي النسيان تلك العاطفة.
2. العجز الجميل: الإدراك المسبق بأن النص، مهما بلغ من البلاغة والجمال، لن يعوض أبداً دفء اللمسة الحقيقية. لكنه عجز نبيل، يجعل الكاتب يستمر في سكب روحه على الورق، على أمل أن تصل تلك الذبذبات العاطفية إلى قلب الطرف الآخر.
حين يقرأ المحبوب.. يكتمل النص
إن النص الذي "يحاول اللمس" لا يكتمل بمجرد وضعه للنقطة الأخيرة في آخر السطر. يكتمل النص فقط عندما تصل هذه الكلمات إلى عيني المحبوب. في تلك اللحظة، تحرّك القراءة مشاعر القارئ، وتجعله يشعر بالقشعريرة أو الدفء، وهنا تحديداً يتحقق "اللمس" المجازي. لقد نجحت الكلمة في اختراق الحواجز المادية ووصلت إلى عمق الروح.
"كُل نصوصي تُحاول لَمْسك" هي صرخة الحب في زمن الغياب. إنها إعلان بأن الكتابة ليست ترفاً فكرياً، بل هي حاجة بيولوجية وعاطفية للبقاء على قيد التواصل. طالما أن هناك قلماً يكتب وقلباً يشعر، ستظل الحروف تكافح، وتتمدد، وتطير عبر المدى، محاوِلةً بكل ما أوتيت من قوة أن تلمس أولئك الذين سكنوا الروح والوجدان.


